لغة القالب

القائمة

التسميات

أعلان الهيدر
بحث هذه المدونة الإلكترونية

تحقيق صحفي في واحدة من أغرب الوقائع التي شهدتها مزرعة في السعودية

الغراب الذي حرس البئر

تحقيق صحفي في واحدة من أغرب الوقائع التي شهدتها مزارع تربة

في بعض المناطق النائية، لا تبدأ القصص المرعبة بالصراخ أو الدماء. تبدأ بهدوء ثقيل، بصمت يجعل الإنسان يسمع نبض قلبه وكأنه صوت شخص آخر يقف خلفه. هذا بالضبط ما حدث مع مروان، موظف الأحوال المدنية القادم من أقصى شمال المملكة، والذي تحولت غربته القصيرة في محافظة تربة إلى كابوس لم يستطع نسيانه حتى اليوم.

مروان لم يكن يبحث عن مغامرة. كان مجرد شاب تخرج من الجامعة وحصل على وظيفة تبعد عن أهله أكثر من 1600 كيلومتر. أهله يعيشون في مدينة القريات قرب الحدود الأردنية، بينما وجد نفسه فجأة في محافظة تربة غرب المملكة، وسط بيئة مختلفة تمامًا عن حياته السابقة.

في البداية سكن في شقة مفروشة مؤقتة، ثم بدأ يبحث عن سكن دائم. لم يكن يريد أكثر من شقة صغيرة يقضي فيها أيام غربته بهدوء، لكن كل مكاتب العقار تقريبًا أخبرته بأن الشقق نادرة، ونصحوه باستئجار بيت كامل أو مزرعة.

بعد أيام من البحث، اتصل به أحد أصحاب مكاتب العقار وأخبره أنه وجد له مكانًا “لن يجد أفضل منه”.

لم يكن مروان يعلم وقتها أن هذه المكالمة ستكون بداية سلسلة من الأحداث التي ستقوده إلى بئر قديم، وغراب أسود، وامرأة بعين واحدة، وسحر مدفون منذ سنوات.

مزرعة خارج حدود المدينة

وصل مروان إلى المزرعة قبل غروب الشمس بقليل. كانت تبعد عن المحافظة حوالي كيلوين، وسط منطقة تنتشر فيها مزارع متباعدة. الطريق إليها شبه مهجور، والأشجار الكثيفة تحجب أجزاء كبيرة من المكان.

أول ما لفت انتباهه أن المزرعة ضخمة مقارنة بالسعر المطلوب فيها. غرفتان خارجيتان داخل فناء واسع، وأمامهما صفوف طويلة من النخيل تمتد قرابة 150 مترًا حتى تصل إلى بئر في آخر المزرعة.

المكان أعجبه فورًا.

كان هادئًا، منعزلًا، بعيدًا عن ضوضاء الناس. شعر براحة غريبة وهو يتجول بين الأشجار. حتى الهواء بدا مختلفًا هناك.

لكن أول إشارة مقلقة ظهرت بسرعة.

حين حاول الاتصال بصاحب مكتب العقار ليبلغه بموافقته، اكتشف أن شبكة الجوال تختفي بالكامل داخل المزرعة. وما إن يخرج خطوة أو خطوتين خارج الباب حتى تعود الإشارة قوية بشكل طبيعي.

استغرب الأمر، لكنه تجاهله.

وقع العقد في نفس الليلة، ولاحظ أثناء التوقيع أن صاحب المكتب بدا مستعجلًا بشكل غريب. لم يسأله إن كانت المزرعة مناسبة أو إن لاحظ شيئًا غريبًا. كان يريد فقط إنهاء الأوراق بأسرع وقت.

في اليوم التالي نقل أغراضه إلى المزرعة وذهب إلى عمله. وعندما عاد مساءً، وجد أول شيء حطم شعوره بالأمان.

حقيبته كانت مفتوحة.

ملابسه مبعثرة على الأرض.

الأبواب مغلقة كما تركها.

لم يكن هناك أثر لسرقة.

في البداية أقنع نفسه أن جرذًا أو حيوانًا دخل المكان وعبث بالأغراض، لكنه لم يكن مقتنعًا تمامًا. شيء ما بدا غير منطقي.

خرج يتمشى بين المزارع المجاورة محاولًا سؤال السكان إن كانت المنطقة تعاني من الجرذان. المزارع كانت متباعدة، ومعظمها مظلم وفارغ.

طرق باب مزرعة قريبة، فجاءه صوت امرأة من الداخل تقول بحدة:

“امش من هنا… ما فيه رجال.”

ابتعد محرجًا، لكنه شعر بانقباض غريب. وجود امرأة وحدها في مزرعة معزولة كهذه لم يكن أمرًا طبيعيًا.

الغراب عند البئر

في تلك الليلة، قرر مروان استكشاف المزرعة كاملة.

كان يمشي بين النخيل عندما اقترب من البئر للمرة الأولى. عندها سمع صوت حركة قوية بين الأشجار. الأغصان تهتز كأن شيئًا يركض بينها.

ثم ظهر الغراب.

لم يكن غرابًا عاديًا.

كان ضخمًا بصورة مخيفة، يقف فوق نخلة قرب البئر، وينعق بصوت حاد مزعج بينما يحدق فيه مباشرة.

الغريب أن مروان شعر وكأن الطائر يحذره.

كلما اقترب من البئر ازداد صراخ الغراب وعنفه، حتى اضطر للتراجع. وما إن ابتعد حتى صمت الطائر وطار بعيدًا.

عاد إلى مكتب العقار في نفس الليلة وأخبر الرجل بكل ما حدث.

ابتسم صاحب المكتب ببساطة وقال إن المزارع مليئة بالفئران، وإن الغربان تدافع عن أعشاشها فقط.

لكن حين سأله مروان عن المرأة التي تعيش وحدها في إحدى المزارع، تغيرت ملامح الرجل قليلًا وقال إنه لا يعرف امرأة تسكن هناك أصلًا.

خرج مروان وهو يشعر أن الرجل يخفي شيئًا.

القطط التي لم تتحرك

عاد إلى المزرعة بعد المغرب.

الطريق كان صامتًا بشكل مرعب. لا أصوات سيارات، لا بشر، حتى الريح بدت ساكنة.

وحين وصل إلى الباب، تجمد في مكانه.

أربع قطط كانت تجلس قرب المدخل، متلاصقة بجانب بعضها، تنظر إليه مباشرة دون أن تتحرك.

صرخ عليها، لوح بيده، اقترب منها… لكنها بقيت ثابتة تنظر إليه فقط.

يقول مروان إن الشعور الذي أصابه في تلك اللحظة يشبه صدمة كهربائية مرت في جسده.

دخل مسرعًا وأغلق الباب.

بعد دقائق عاد لينظر من جديد، فوجد القطط اختفت تمامًا.

في تلك الليلة سمع صرخة امرأة قادمة من جهة المزارع. كانت صرخة طويلة ومؤلمة، ثم عم الصمت مجددًا.

خرج يبحث عن مصدر الصوت، لكنه لم يجد شيئًا.

لم ينم حتى الصباح.

المخيم المهجور

في العمل أخبر زميله وحيد بما حدث. ضحك الرجل وقال إن الغربة والوحدة جعلاه يتوهم أشياء غير موجودة.

ثم دعاه للخروج معهم في رحلة تخييم نهاية الأسبوع لتغيير الجو.

كانت الرحلة إلى مخيم قديم مهجور منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، يملكه صديقهم فيصل.

في الطريق، وقبل وصولهم للمخيم، لمح مروان أربعة أشخاص يقفون قرب الأضواء البعيدة.

أخبر وحيد بما رآه.

لكن عندما وصلوا، لم يكن هناك أحد سوى فيصل.

حاول إقناع نفسه بأنه تخيل الأمر.

جلسوا يتحدثون، ثم ذهب أحمد لتحضير العشاء خلف الخيمة. مرت ساعة كاملة دون أن يعود.

حين ذهبوا للاطمئنان عليه، وجدوه ملقى على الأرض بجانب موقد الغاز المشتعل.

ساقه كانت تحترق.

والأسوأ أنه كان فاقدًا للوعي.

حملوه بسرعة إلى السيارة، وفي الطريق بدأ يصرخ من شدة الألم، ثم فجأة تغير صراخه إلى شهقات متقطعة قبل أن يسقط رأسه بلا حراك.

ظنوا أنه مات.

أحمد رأى شيئًا

نجا أحمد بأعجوبة، لكنه لم يعد طبيعيًا بعد استيقاظه.

كان يدخل في نوبات هلع ويصرخ كلما حاول النوم.

والأغرب أنه أخبر والده أن شيئًا ظهر له خلف الخيمة قبل سقوط موقد الغاز.

شيء جعله يتجمد من الرعب.

لم يشرح أكثر.

لكن مروان تذكر فورًا الأشكال الأربعة التي رآها قرب المخيم.

في تلك الليلة عاد إلى المزرعة وحده.

وكان الخطأ الأكبر في حياته.

المرأة ذات العين الواحدة

بعد منتصف الليل، خرج من الحمام متجهًا إلى غرفته، وعند مروره قرب النافذة لمح شيئًا أسود يزحف بسرعة قرب البئر ثم يهبط داخله.

تجمد مكانه.

لم يكن حيوانًا.

كان يشبه إنسانًا يزحف على أطرافه.

ثم سمع طرقًا على الباب الخارجي.

اقترب ببطء ونظر من الأسفل.

كانت هناك قدمان بشريتان.

فتح الباب… فظهرت المرأة.

امرأة بعين واحدة مغلقة، وشعر مبلل بلون الزيت المحروق، ورائحة بشعة تشبه الشعر المحترق تفوح منها.

يقول مروان إنه لم يشعر في حياته بخوف يشبه ذلك الخوف.

أغلق الباب في وجهها فورًا، ثم راقبها من النافذة.

ظلت واقفة بلا حركة لأكثر من ساعة.

ثم اختفت.

بعد دقائق بدأ يسمع صوتًا يخرج من جهة البئر، ومعه دخان خفيف يرتفع إلى الأعلى.

هرب من المزرعة تلك الليلة ولم يعد قادرًا على البقاء فيها وحده.

الغراب الذي مات ثم عاد

في اليوم التالي عاد مع وحيد.

كان يريد إثبات أن كل ما حدث له حقيقي.

قبل ذلك بيوم، كان قد قتل الغراب بعد أن وضع له سمًا داخل علبة تونة، ثم دفنه بنفسه تحت إحدى النخلات.

لكن ما إن اقترب وحيد من البئر حتى ظهر نفس الغراب مجددًا وهجم عليه بعنف.

عاد الطائر من الموت.

وحيد رأى ذلك بعينيه.

في طريق خروجهم من المزارع، ظهرت المرأة نفسها وسط الطريق. صرخ مروان محذرًا وحيد من دهسها، لكن السيارة مرت من خلالها وكأنها دخان.

وحيد لم ير شيئًا أصلًا.

الصداع الذي يبدأ بعد الغروب

منذ تلك الليلة بدأ مروان يعاني من صداع رهيب يظهر فقط بعد غروب الشمس.

الألمكان شديدًا لدرجة أنه كان يضرب رأسه بالأرض أحيانًا.

حتى القرآن حين كان يُشغل قربه، كان يزيد الصداع بشكل لا يحتمل.

حين أخبر وحيد بكل ما جرى، تذكر فجأة قصة الغراب المدفون، وبدأ الاثنان يشكان أن ما يحدث مرتبط بالبئر.

ذهبا إلى صاحب مكتب العقار وواجهاه بالحقيقة.

انهار الرجل أخيرًا واعترف بكل شيء.

السر المدفون داخل البئر

قال الرجل إن المزرعة كانت ملكًا لشيخ كبير، وإن ابنته الصغيرة مرضت بعد حادثة غريبة قرب البئر.

بدأت ترى أشياء تطاردها.

العائلة نفسها كانت تشاهد أمورًا مرعبة داخل المزرعة، لذلك غادروا إلى الرياض وتركوا المكان.

لكن الحقيقة الكاملة لم تظهر إلا لاحقًا.

بعد تدخل رجال الدين والشرطة، تم استخراج عمل سحري من داخل البئر.

وكانت الصدمة أن الخادمة القديمة للعائلة هي من وضعته هناك.

أما الغراب الذي كان يحرس المكان، فقال أحد المعالجين إنه لم يكن غرابًا عاديًا أصلًا.

كان خادمًا لذلك السحر.

لهذا كان يمنع أي شخص من الاقتراب من البئر.

النهاية التي لم تُغلق بالكامل

غادر مروان تربة نهائيًا وعاد إلى القريات.

تحسنت حالته تدريجيًا بعد جلسات علاج ورقية شرعية، بينما تعافى أحمد ببطء، رغم أن شعره تحول إلى الأبيض بالكامل خلال أيام قليلة فقط.

أما صاحب مكتب العقار، فسُحب منه سجله التجاري وأُغلق مكتبه بسبب إخفائه حقيقة المزرعة.

ورغم مرور السنوات، ما زال مروان يتذكر تلك الليالي بتفاصيلها.

الأغرب من كل شيء أن أحمد، حتى اليوم، يرفض تمامًا الحديث عن الشيء الذي رآه خلف الخيمة في تلك الليلة.

كلما سألوه يصمت.

ينظر إلى الأرض.

ثم يغيّر الموضوع فورًا.

وكأن بعض الأشياء… لا يجب أن تُقال أبدًا.

مايو 16, 2026

عدد المواضيع